السيد محمد تقي المدرسي

92

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

في القضاء والقصاص : يتجلى العدل في حياة الأمم بأجلى صورها مرتين ؛ مرة عند وضع القانون ، ومرة عند تطبيقه في الخلاف ( القضاء ) . وإذا كان واضع القانون الشرع المقدس ، فان ابرز المشاكل سيكون في القضاء عند تطبيقه . وفي الكتاب آيات كريمات كثيرة تذكر بأهمية القضاء العادل ، وتوحي بالعديد من الوصايا العامة فيما يتصل بالحاكم وصفاته ، وبالعدل في الحكم ، وبالشهود العدول ، وبالقصاص العادل . وفيما يلي طائفة من هذه الأحكام : أولًا / من أهداف بعثة الرسل الحكومة بالعدل ، وأجلى حقائق الحكومة القضاء . قال الله سبحانه : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( النساء / 64 - 65 ) فالطاعة المفروضة للرسول طاعة شاملة ، والتقصير فيها يوجب ذنباً . ينبغي ان يستغفر المذنب ربه عند الرسول ويستغفر له الرسول ، مما يوحي باشتراط رضا النبي في غفران مثل هذا الذنب . وتتجلى طاعة الرسول في التسليم لقضائه ، حيث لا يؤمن من يجد حرجاً في نفسه من حكم الرسول . وقد أمر الله الرسول بان يستقيم كما أمر ، ولا يتبع هوى الناس ( بالذات عندما يريد ان يحكم بين الناس ) ، وان يعدل بين الناس . قال الله سبحانه : فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( الشورى / 15 ) وهذا الأمر يسري إلى كل المؤمنين ، وبالذات العلماء منهم ، حيث أمر الله الحاكم ( أنّى كان ) ان يعدل في حكمه . قال الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً